بن عيسى باطاهر

196

المقابلة في القرآن الكريم

الذي يحتاجه المشركون لتصحيح عقائدهم ، أما الجهل فمتمثل في قوله تعالى : ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ [ التوبة : 6 ] ، وغاية هذه المقابلة إبراز مجموعة القيم الفكرية والدينية ، والتي نذكر منها : أولا : - إنّ سبب الأمر بإجارة المستجير المشرك ليطلب علم الكتاب هو أنّه معدود في أهل الجهل ، لأنّ المشركين عامة لم يكن لهم علم بالكتاب ولا بالإيمان ، فكان منهم أن أعرضوا عن الدين بجهل وعصبية ، وصدوا المؤمنين عن سبيل اللّه ، وغرتهم قوتهم ، « فإذا كان شعورهم بضعفهم لصدق وعد اللّه بنصر المؤمنين عليهم قد أعدّهم للعلم بما كانوا يجهلون ، وطلبوا الأمان لأجل ذلك ، أو لغرض آخر يترتب عليه إمكان تبليغهم الدعوة ، وإسماعهم كلامه - عز وجل - وهو الحجة البالغة والشفاء لما في الصدور لمن سمعه باستقلال فكر » « 1 » . ثانيا : يستفاد من هذه الآية قيمة فكرية هامة وهي أنّ « العلم » لا بدّ أن يقوم على النظر والاستدلال ، وأنّ التقليد غير كاف في العلم ، قال الفخر الرازي ( - 606 ه ) : « اعلم أنّ هذه الآية تدل على أنّ هذه الآية تدل على أنّ التقليد غير كاف في الدين ، وأنّه لا بدّ من النظر والاستدلال ، وذلك أنّه لو كان التقليد كافيا ، لوجب أن لا يمهل هذا الكافر ، بل يقال له : إمّا أن تؤمن ، وإمّا أن نقتلك فلمّا لم يقل له ذلك ، بل أمهلناه وأزلنا الخوف عنه ، ووجب علينا أن نبلغه مأمنه ، علمنا أنّ ذلك إنّما كان لأجل أن التقليد في الدين غير كاف ، بل لا بدّ من الحجّة والدليل فأمهلناه وأخّرناه ليحصل له مهلة النظر والاستدلال ، إذا ثبت هذا فنقول : ليس في الآية ما يدلّ على مقدار هذه المهلة كم يكون ، ولعلّه لا يعرف مقداره إلّا بالعرف ، فمتى ظهر على المشرك علامات كونه طالبا للحقّ ، باحثا عن وجه الاستدلال ، أمهل وترك ، ومتى ظهر عليه كونه معرضا عن الحقّ دافعا للزمان ، بالأكاذيب لم يلتفت إليه » « 2 » .

--> ( 1 ) محمد رشيد رضا - تفسير المنار - ج 10 - ص 180 . ( 2 ) تفسير الفخر الرازي - ج 15 - ص 228 .